فيديو ملفات الرئيسية نصوص كتب جلري من نحن

 
 

    


 
 

     القائمة البريدية

 
 


سين » نصوص


منصور العتيق

عندما صورني السياح باعتباري قطعة أثرية!

إلى محمد الحارثي

(1)
كانوا، حال التعب، يلقون ملامحهم في البرك.

(2)
اقتربت الساعة، وانشقت لوحة الترحيب في مفتتح شارع السلطان قابوس. كان (مبارك بن لندن)* يصل، ضجراً، عبر رحلة جوية تابعة لـ (طيران الخليج). ويأخذ أول تاكسي إلى عمق (مسقط). رحلته كانت طويلة. والمضيفة الآسيوية لم تكترث لمحاولاته ادعاء الملاحة العفوية. وتجاهلت قصيدة النثر التي كتبها، ارتجالاً، على المنديل الورقي فوق الصينية.


 الحق أن المضيفة كانت جميلة. والحق الحق أن مبارك بن لندن كان مسناً (مسناً إلى درجة ظننته جبلاً في أول لقاء!). وكان فوق ذلك وحيداً، وضجراً طوال الوقت.
ولأنه كتب، على المنديل الورقي نفسه، قصة حياته كاملة (كانت الرحلة طويلة!) فقد اقترحت عليه المضيفة العدول عن فكرة حمقاء مثل (حرث) رمال الربع الخالي. ما دام برنامج الـ (Google Earth) يستخدم الأقمار الصناعية لفعل ذلك. خاف مبارك بن لندن. أن تستخدم المضيفة كومبيوترها في شرق آسيا، وتقع عيناها صدفة عليه. مرتدياً زي البدو هائماً وراء سره المدفون في نقطة ما من الربع الصامت. ما الداعي إذن لكل قصائد الغزل النثرية، المكتوبة ارتجالاً على مناديل ورقية في مقصورة رجال الأعمال. في الرحلة رقم 486 التابعة لطيران الخليج. والمتجهة إلى مسقط؟

(3)
لم يرسم أحد خريطة حديثة للجبال في هذه المنطقة، والخرائط القديمة تضيف ركامات الصخور السوداء والبنية والمرقطة كيفما اتفق. ما لا يعرفه أحد أن الجبال هنا ليست سوى أصدقاء مسنين يشربون القهوة العمانية ويتجاذبون أطراف الصمت والحديث. يغيرون جلستهم مراراً مثلما نوسع الجلسة في المقهى لاستقبال كرسي لصديق جديد. ويتبادلون الطرقات والقرى فيما بينهم بشكل عادل. إنني أعرف، بشكل قاطع، أن مبارك بن لندن يظهر ضجراً كاذباً في الميكروباص الذي يقلنا إلى "نزوى". وأنه يتحين الفرص ليقترح علينا التوقف (بين الجبال) للتزود بالوقود والمشروبات. بينما يتسلل إلى أصدقائه الجبال الذين يفسحون له مكاناً بارزاً، ويمدونه بحصته الكاملة من القهوة العمانية والقرى والحكايات.
لا يريد مبارك بن لندن الوصول إلى نزوى، ستذيبه الحرارة مثلما أذابت السيف في غمده، سوف تعيده إلى الرمل الذي هرب منه.

(4)
الفتاة التي قالت لي أن خط الاستواء يمر في الطريق السريع المؤدي إلى صلالة، كانت تمزح بالتأكيد. وكانت تعرف أن خط الاستواء الذي يقسم الكرة الأرضية، مثل سكين، إلى نصفين متساويين، ويقسم ثمرة الخوخ أيضاً. لا يمر إلا فوق فمها، ويقسم الاستدارة الرطبة الآمنة، إلى قسمين عادلين. بديعين حقاً.
هكذا أطمئن إلى معلوماتي الجغرافية. وأطمئن إلى أن الفتاة لم تشرب سوى رشفة واحدة من علبة البيبسي كولا، التي طلبتها اعتباطاً في بهو الفندق المسن مثل مبارك بن لندن، ربما لتبريء مقصد المجيء، وربما لأني طلبت الفاتورة مبكراً بحمق ظاهر.
وأنا أوقع الفاتورة ، قلت لنفسي إن البحر لا علاقة له بجعل شفتي فتاة مكتنـزتين وبديعتين هكذا. ولا البيبسي كولا أيضاً. وأن الفتيات اللواتي شربن من البحر على أمل أن يصبح لهن قوارب بديعة مثل فم الفتاة التي شربت رشفة واحدة من البيبسي كولا، ظللن يشربن حتى تساقطن على الساحل متيبسات، فجرفهن الموج بعيداً.
قلت لنفسي أن الأمر يشبه رسم كرة أرضية دون خط استواء، على ثمرة خوخ صغيرة. حين أكملت الفتاة حديثها، وتأهبت عباءتها للرحيل، قلت لها أنني مؤمن تماماً بمقدرتي على تحويل ثمرة خوخ صغيرة، إلى كرة أرضية هائلة.
لم أكمل علبة البيبسي كولا (بطريق الخطأ المفتعل)، وبدأت، بدلاً من ذلك، بكتابة قصيدة نثر على ظهر الفاتورة المطبوعة بجهاز المحاسبة، محاولاً أن تكون أصدق بكثير من تلك التي كتبها مبارك بن لندن لمضيفة طيران الخليج. قصيدة تنتهي بعنوان بريدي الإليكتروني ورقم هاتفي وأسباباً متوقعة للاكتفاء برشفة واحدة من علبة بيبسي كولا كاملة. تذكرت البيبسي كولا مجدداً وضحكت سخرية من شعاره المموج، الغبي. كان تقليداً رديئاً لحبة خوخ، أو لكرة أرضية، أو لشفتي الفتاة الجالسة أمامي.

(5)
في المتحف خلط السائحون بيني وبين مسؤول المتحف، ثم خلطوا بيني وبين التذكارات الصوفية والبلاستيكية، ثم خلطوا بيني وبين الباب المعدني الذي كان في يوم ما باباً لسجن النساء. ثم خلطوا أخيراً بيني وبين المتحف. لكن أحداً لم ينتبه إلى الشبه الهائل بيني وبين خنجر صدئ كان معروضاً للبيع بريالين عمانيين ونصف. وبيني وبين الناس المشدوهين قديمي الملامح المعلقين في الصور. طبعاً إذا استثنينا سائحة عجوز أوروبية طلبت تصويري، ممسكاً الخنجر إياه، بكاميرا ديجيتال من نوع سوني. وعندما ازدحم خلفها السائحون ملتقطين الصورة نفسها شرحت لهم بأدب أينا الخنجر. وأينا أنا.
ثم إنهم، كما يحدث دائماً، سيتوقفون منتظرين ما أقوله، بصفتي الشبيه الوحيد للسيد مسؤول المتحف أولاً. والشبيه الوحيد للتذكارات الصوفية والبلاستيكية والقبعات والخنجر الصدئ ثانياً. وشبيه الباب المعدني والناس المعلقين في الصور ثالثاً. سأرتجل حكاية سحرية عن "الذين كانوا هنا"، وعن كونهم، حال التعب، يلقون ملامحهم في البرك. فتسود لحاهم أكثر وتبرز لهم خلف الملامح القديمة ابتسامات ووجوهاً جديدة. تنقل الأفلاج تعبهم بين المزارع والبرك والوجوه. فيتشابه ويختلط مع تعب الأسلاف وحكاياتهم وحروبهم. حتى إذا شرب أحد كوب ماء، مثلاً، يشعر بهؤلاء "الذين كانوا هنا" ويشعر بحياتهم وتعبهم ويكاد يرى ملامحهم. سأؤكد لهم كم هو مريح أن تلقي ملامحك في البركة مساء. وتشرب بعد ذلك وجهاً باسماً مطمئناً لتنام فيه.


* بالنسبة للبدو، وللتراث الشعبي في الخليج. كان الرحالة البريطاني الشهير ويلفرد ثسيجر يعرف باسم (مبارك بن لندن).


** خاص/ سين
** العمل المرفق للفنان/ عبدالعزيز الحميد. خاص/ سين

 

المشاركة السابقة : المشاركة التالية