فيديو ملفات الرئيسية نصوص كتب جلري من نحن

 
 

    


 
 

     القائمة البريدية

 
 


سين » نصوص


أحلام الزعيم

ثرثرة إلى إيزابيل الليندي

في مثل هذه الأوقات من العام الفائت. على حافة نهاية حرب غزة وحافة بداية امتحاناتي و وسط خلافاتي السياسية أنا و(ع.ز). الخلافات التي تجمعنا وتفرقنا من بين طرفي العالم. الخلافات السياسية التي كانت ومازالت شيئا مهما بالنسبة إلي لكنها لم تكن أهم من صديقي المقرب (ع.ز). لكنها مع ذلك استطاعت بسهولة أن تشعل غضبنا في لحظة حاسمة لنغلق بغضب متجمر ونرافق الأيام في رحلة رحيل مؤقت. كان ذلك مؤرقا في بداية امتحاناتي في شتوية قاسية تجبرك على الخمول لكنني وقتها تعرفت على إيزابيل..


قالت لي لا تفوتي شيئا من أحداث يومك, أعلم أنك تخبئين ثرثرتك لحين يعود (ع.ز) وتنفضان عنكما الأوهام السياسية كلها.أنتما مجرد طفلين أبلهين فكيف تجعلان تلك الأمور الغبية تؤثر على دوركما في الحصول على الأرجوحة! لقد انتظرت أن تعود باولا من مرضها ولم تعد وأعرف أن (ع.ز) سيعود.. عندما انتظرت باولا كنت أكتب إليها كل ما يحدث حتى لا يفوتها شيء عندما تستيقظ .

عقدت صداقة مع باولا وإيزابيل , وأنا أقرأ كنت أشعر أنني باولا وأن إيزي -كما أحب أن أناديها- تتحدث لي وحدي وتكتب لي وحدي. كنت أدرس حتى الثانية عشرة بالليل وأكتب أحداث يومي في مفكرتي احتسابا لعودة (ع.ز) وفي هذه المرحلة أتحول من باولا إلى إيزي. كم أحب ملامح ابنتك يا إيزي.. عيناها الواسعتان وشعرها الفاحم المنهدل .. تأملتها كثيرا وتألمت أن القدر سرق صبيتك منك يا إيزي.. لقد بكيت لأجلك حقا..

كم أرغب أن أقول لك ما حدث.. لقد عاد (ع.ز) كالضيف تماما. ولم يكن مجديا أبدا أن أقرأ له كل ما كتبت. لقد نسيت أن الغربة تؤثر كثيرا على نكهة المسافرين فلا يعدوا أبدا كما كانوا. لقد عاد كضيف وهاجر مرة أخرى كضيف ولازال يحلق في البعيد.

لم تنته الحكاية.. كان علي أن أتخلص من إرهاق الصفحات التي كتبتها.. ولهذا قررت أن أفشيها في هذه الشهور المتنكرة ببرد كاذب لا يصل للروح. ذات صباح باكر وبارد بعض الشيء قررت أن علي أن أنزف تلك الأوراق. ذهبت إلى المقهى مع (هـ) وقررت أن أقرأ كما لو أن أحدا ليس بجانبي.. أقرأ كل ما كتب دون أن أخفي أي جملة .. أخذت كل ما يمكن أن يضيف رونقا جميلا لاحتضار ذلك الورق.. الموسيقى , الصباح الباكر , الشتاء , القهوة , والرجل الفلبيني البشوش جدا , وروحي المتصاعدة وقتها .. قرأت وقرأت كل ما كتبته دون أن أسقط حرفا واحدا.. وشعرت أنني بخير جدا .. بخير بحيث أنني لم أعد أتألم أبدا من الأوراق ..!

هذا ما حدث معك يا إيزي , لم تقرأ باولا كتابك كما لم يفعل (ع.ز) . لكنك أفشيت الكتاب وتخلصت من وجعه..كم أنت رائعة يا إيزي .. كم أحبك .. لكنني هذه المرة متورطة أكثر وأحتاجك أكثر وأكثر .. هذا العام لا أفتقد (ع.ز). لا أفتقد صديقا سرقته يد السفر وتطاولت به المسافات وأدمن مقاعد الطائرة.. هذه المرة يا عزيزتي أنا متورطة كثيرا متورطة كثيرا جدا, لست فقط بحاجتك و حاجة (ع.ز) و (هـ) و (م) وكل ما خبأته في قلبي الصغير لوقت الحاجة بل بحاجة أن تبكي الدنيا كلها لأجل قلبي الذي فقد قبيلته وبوصلته ونبضه. أنا في الواقع لا أعلم ماذا أريد يا إيزي.. أريد المرض ذاته الذي أصيبت به باولا.. المرض الذي توفاها قبل وفاتها لأنني كما هي توفيت قبل وفاتي!.. لا بأس يا إيزي لن أتألم كثيرا حتى لا تتألم قبيلتي على الأقل.. لكنني بحاجتك يا صديقتي .. بحاجتك وبحاجة باولا ..

هذا العام 2010 عندما اشتريت دفتر المذكرات الجديد اخترت أن يكون أخضرا حتى أتفاءل بأن قبيلتي آتية لأخذي لا محالة.لكن القدر قطع طريق القبيلة في صحراء هذه المدينة الصفراء حتى قبل أن أتم شهرا واحدا. يال غبائي يا إيزي.. كيف لدفتر أخضر أن يلين مدينة صفراء!!

لدي رغبة أن أكون باولا وأن أكونك, لدي استعداد قوي جدا أن انتهي كباولا ولدي رغبة قليلة أن أكونك الآن..ولكن أخبريني برب عينيك لمن سأوجه رسائلي؟! إن الله يعرف ما أريد أن أقوله دون أن أكتب رسالة.وبالتالي لم تكن فكرة الكتابة إلى الله صائبة. فهو يعلم ما بي تماما. كما أن (ع.ز),(هـ)و(م) ليسو بحاجة أن يشهدوا على ذوباني قهرا وليست رسائلي إليهم تساعدهم أو تساعدني على الدخول في غيبوبة. أنا ربما أحتاج أن أكتب لقبيلتي لكنني لا أريد أن أوسعها قهرا هي أيضا. وقد أحتاج أن أكتب لطفلاي اللذان اخترنا أسميهما قبل أن نكف عن أحلامنا. وقد أحتاج أن أكتب له وهو قابع داخلي يتنفس وينبض دون أن أستطيع أن ألده.. لكنني أظن أنني بحاجة أن أكتب إليك يا إيزي ..فأنت في البعيد لن تعتبي ولن تحزني بل لن تقرئي رغم أنك ستشاركينني بحميمية ولطف ..

إيزي .. أرغب أن أقول شيئا أخيرا قبل أن أختم هذه التدوينة الليلة. الأسماء تتداخل في مخيلتي وتفسيراتها كذلك.. فهو X ولن أفسر لك لماذا اخترت له هذا الرمز. وأنت إيزي ليس فقط لأنك إيزابيل بل ربما لأن في عقلي الباطن أوقات جميلة تشاركتها مع كاثرين هيغل عندما لعبت دور إيزي في مسلسل جريز أنوتومي.. ربما اشتقت لإيزي لأنها ماتت مرتين أيضا كباولا .. وكالموت الأخير الذي أنتظره. ماتت إيزي عندما فقدت زمنها أول مرة .. وماتت بالسرطان في المرة الثانية .. ومت أنا عندما فقدت قبيلتي أول مرة.. ولا أعرف كيف سأموت موتي الأخير يا إيزي.. الدفتر الأخضر لا يمكن له أن يلين المدينة الصفراء .. لكنه سيحمل إليك الكثير من الثرثرة والصخب والجنون والحكمة والقهر يا إيزي ..

العمل المرفق للفنانة :يمينة المثلوثي

تونس - خاص/ سين

المشاركة السابقة : المشاركة التالية